Top Ad unit 728 × 90

أخبار الانترنت

17 - سحر الرسول ليس خرافة يهودية ولا كذبة متفقا عليها ( فؤاد الشمالي )

باسم الله الرحمن الرحيم ، الهادي الخلق إلى الصراط المستقيم ، و الصلاة و السلام على سيد الخلق أجمعين ، و على آله و صحابته و من اقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم . و إن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
ثم أما بعد فإنني قد قرأت مشاركة للأستاذ محمد بن الأزرق الأنجري على صفحات هسبريس و كانت تحت عنوان ( سحر رسول الله.. خرافة يهودية متفق عليها ) فبدا لي أن الأستاذ الأنجري قد دافع عن رأيه باستماتة و عن قناعة نابعة من أدلة نقلية و عقلية رصينة و محكمة فيما يبدو له، و قد افتتح مقاله بنعت المؤمنين بقصة سحر الرسول صلى الله عليه و سلم بأنهم (السذج و المغفلون و البلهاء ) و وصف العلماء الذين أقروا بهذه الواقعة بأنهم ( المغفلون من العلماء والباحثين ) ، و في هذه النعوت و الأوصاف استخفاف واضح بعقول الآلاف من العلماء و المحدثين الذين تلقوا هذه القصة بالقبول النقلي و العقلي معا و تشكيك في حرصهم و سلامة قواعدهم و مناهجهم العلمية ،و فيها أيضا ذم قبيح في حق بعض العلماء الذين يؤمنون بقصة سحر الرسول صلى الله عليه و سلم كالإمام الشافعي و الإمام أحمد بن حنبل و الإمام البخاري و الإمام مسلم و الإمام ابن قيم الجوزية و الإمام القاضي عياض و غيرهم - رحمة الله عليهم أجمعين - . فكأن الأستاذ القدير - محمدا بن الأزرق الأنجري - يقول بأن كل هؤلاء العلماء غفلوا أو استغفلوا في هذه القضية الخطيرة و لم يمحصوها تمحيصا كما فعل هو و من يقول بقوله فيها ، و كأن هؤلاء العلماء جميعا لم يكتشفوا تلك الخرافة اليهودية - على حد وصفه - مع ما حباهم الله به من صدق و إخلاص و ورع و حفظ و علم و اجتهاد و مع كونهم من أقرب الناس إلى عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، و في هذه الأوصاف أيضا نسف واضح للرأي الآخر الذي لا يتبنى مبدأ التنقيص من رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا ينفي عنه إمكانية التعرض للسحر من طرف الكفار و المشركين و المنافقين و السحرة المجرمين .
فالقول بأن قصة سحر النبي عليه الصلاة و السلام خرافة أدرجها (المغفلان ) البخاري و مسلم - على حد وصف الأستاذ - في صحيحيها اتهام لهما بالجهل و التقصير أو بالخبث و النفاق . فإذا كان سحر النبي صلى الله عليه و سلم يناقض القرآن و العقل و الإجماع - على رأي الأستاذ الأنجري - فكيف لم ينتبه هذان العالمان الجليلان و غيرهما إلى ذلك ؟ ألم يتعلما قرآن ربهما قبل أن يتخصصا في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ ألم يعلما أنه صلى الله عليه و سلم معصوم عن الخطأ في التبليغ و عن الجنون و الضلال ؟ ألم يعلما ما علِمه الأستاذ محمد بن الأزرق الأنجري و من هم على شاكلته من الحقائق في هذه القصة ؟ أفلا يعلمون أن صحة السند لا تعني دائما صحة الخبر ؟ بلى ! إنهم هم مؤسسوا ضوابط تصحيح و تضعيف الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هم أول من رد الحديث الذي يطعن في نبوة رسول الله - عليه أزكى الصلاة و أبرك التسليم - و لو كان صحيح السند و كل رجاله ثقاة ، و هم أفضل من نقح السنة من الخرافات و الزيادات و هذا ما سأبينه في هذا المقال إن شاء الله تعالى .
فأسأله سبحانه أن يكون هذا الرد خالصا لوجهه الكريم و أن لا يكون فيه للشيطان أو للنفس أو للهوى حظ ، و أتمنى كذلك من الأستاذ الفاضل - محمدا بن الأزرق الأنجري - أن لا يعتبرها جرأة على شخصه و لا تنقيصا مني لعلمه ، و أن يكون هذا الرد إثراء للموضوع و بيانا و توضيحا لأدلة أصحاب الرأي الآخر و بالله التوفيق .
1 ) منهج العلماء في قبول و رفض الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
إن علماء الحديث قد وضعوا شروطا صارمة لقبول الخبر عن الرسول صلى الله عليه و سلم ، و بخاصة تلك الأخبار التي تُستمد منها عقائد أو أحكام فقهية . و لأن الحديث النبوي يعد ثاني مصدر من مصادر التشريع اهتم به السلف الصالح و أسسوا له علوما كثيرة لتحفظه من الزيادة و النقصان و لتصفيه من الخرافات و الكذب و الخطأ و النسيان و التحريف المقصود و الغير المقصود كعلم مطلح الحديث و الجرح و التعديل وفقه الحديث و علم الناسخ و المنسوخ ... و من بين هذه الضوابط و القواعد ما يأتي :
1 - لا يكون الحديث صحيحا حتى يكون كل رواته معروفين بالصدق و الأمانة و العدالة و الضبط . ( فلا تقبل رواية المجروحين أو الكذابين أو النسائين أو مجهولي الحال أو العين )
2 - لا يكون الحديث صحيحا حتى يكون هناك اتصال في السند بين كل هؤلاء الرواة العدول و الثقاة ( فلا يقبل الحديث الذي لم يلتق فيه كل راو بالذي رواه عنه أو الذي فيه انقطاع في السند )
3 - يجب أن لا يكون الخبر معارضا للقرآن الكريم أو الثوابت الشرعية المجمع عليها و أن لا يتضمن معنى مستحيلا شرعا .
4 - يجب أن لا يكون الحديث الشريف معارضا لحديث آخر هو أصح منه أو أقوى منه إما في عدالة رواته أو في ضبطهم أو عددهم .
فهذه الضوابط التي وضعها العلماء جاءت للتصدي للخرافات التي يمكن أن تدس في التراث الإسلامي عبر الرواة الوضاعين و الكذابين ، كاليهود المتأسلمين و المنافقين و حتى من أصحاب الأهواء و الفرق و النِحل من المسلمين ، أو بسبب غفلة الرواة و نسيانهم و اختلاط أمرهم عليهم في آخر حياتهم و غير ذلك من أسباب تحريف الحديث النبوي الشريف فكل راو من رواة الحديث يُفتح له ملف عند علماء الجرح و التعديل ليتعرفوا على حالته الدينية و أخلاقه مع الناس و سلوكه في طلب العلم و مستوى حفظه و ضبطه منذ بدايته و إلى أن يتوفاه الله تعالى . فإن ثبت في حقه الزيغ أو الضلال أو التضليل أو الكذب أو المجاهرة بالمعاصي فإن خبره لا يقبل ، بل و يضاف اسمه في لائحة المجروحين أو الضعفاء أو المتروكين لكي لا يقبل منه أي حديث آخر .
و حتى إن كان الراوي عدلا و مستقيما و صادقا و أمينا ، فلا يقبل منه الحديث حتى يُعرف بقوة الحفظ و سلامة العقل من الاختلاط و النسيان ، فإن كان خفيف الضبط أو كثير النسيان أو الغلط رفض خبره لاحتمال الكذب الغير المقصود على رسول الله صلى الله عليه و سلم
و بعد هذا التدقيق في أهلية الرواة للرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإن علماء الحديث ينظرون لمضمون الحديث الشريف إن كان يعارض القرآن الكريم أو الإجماع أو ثوابت الشريعة الإسلامية . فإن كان الحديث الشريف يتضمن مثلا إباحة الزنا أو شرب الخمر فلن يقبل أبدا ولو كان رواته جميعا ثقاة و عدولا و ضباطا ، لأن هذا الخبر مناقض لصريح القرآن الكريم و ثوابت الأمة الإسلامية المجمع عليها .
و من خلال هذه الضوابط العلمية التي بينتها بشكل مجمل ، و التي يتفق عليها علماء أهل السنة و الجماعة نريد أن نحكم على قصة سحر النبي عليه الصلاة و السلام إن كانت خرافة أم واقعة حقيقية .
2 ) هل الأنبياء معصومون من السحر و أذى الشياطين من الإنس و الجن ؟
إن الذين يعارضون قصة سحر النبي صلى الله عليه و سلم - في الغالب - لا يعارضونها من حيث السند ، لأنهم يعلمون أن الإمامين البخاري و مسلم - اللذان صححا هذا الخبر - هما من أعلم علماء الأمة بالحديث و برجال الحديث ، و هما من أشد المحدثين صرامة في قبول الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و خاصة إذا تعلق الأمر بقضية خطيرة كهذه . و إنما يردون هذا الحديث لتعارضه مع مقتضيات النبوة التي تصرف عنه عليه الصلاة و السلام كل حادث يخل بقدرته العقلية أو التعبدية - على حد زعمهم - و كلَ أمر يمكن أن يشكك في صدق رسالته و سلامة الوحيين الشريفين من التبديل و التغيير و الزيادة و النقصان . و يستدلون بالقاعدة الحديثية التي تقول : ( ليس كل ما صح سنده صح متنه ) و هذا صحيح ، فقد يكون الحديث النبوي الشريف صحيح السند و لكن فيه علة قادحة تسمح برده و التشكيك في صحته . فباختصار شديد يقولون : لا ينبغي في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يسحر و إلا كان ذلك عيبا في حقه و إخلالا بشروط نبوته فهل حقا تعرض النبي صلى الله عليه و سلم للسحر مناف و معارض لمقتضى النبوة ؟ و هل الأنبياء معصومون من التعرض للسحر أم لا ؟
و في الجواب على هذا السؤال لن أجيب بأحاديث نبوية ، لأن المخالفين ردوا تلك الأحاديث و ضعفوها متنا ثم سندا . بل سأستدل بأقوى حجة من حيث السند ، ألا و هي كتاب الله تعالى الذي نتفق جميعا على صحة نسبته إلى الله تعالى و قد نختلف في تفسيره أو شرح معانيه .
نبي الله أيوب يتعرض للأذى من الشيطان : إن السحر عمل خفي يقوم به الساحر ليتعاون مع شيطان لأذية إنسان ما ، و من الممكن أن يقوم الشيطان بأذية الإنسان بدون سحر و هذا ثابت بالقرآن و السنة و الإجماع . فإذا أثبتنا أن الأنبياء يمكن أن يتعرضوا لأذى الشياطين في أبدانهم و نفوسهم و أموالهم و أهليهم فإننا نَقْدِرُ حينها على القول بأن تعرض النبي للسحر لا يخرجه من دائرة العصمة الإلاهية و لا يطعن في نبوته بل يمعن في بيان بشريته للناس مصداقا لقوله تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ ) . . و سأضرب أول مثال بقصة أيوب عليه الصلاة و السلام حين قال الله تعالى عنه في كتابه العزيز : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) سورة ص الأية 41 . فهذه آية لا خلاف في صحتها من حيث السند ، و معناها واضح جلي ، فإنها تبين أن سيدنا أيوب قد تعرض للأذى من طرف الشيطان في بدنه و ماله و أهله . و هو نبي و معصوم كذلك من الشياطين ، لكنه لم يعصم من أذى الشيطان البدني و النفسي . كما أن نبي الله أيوب قد صرح - كما في هذه الآية الكريمة و في غيرها - بأن الأذى جاءه في بدنه و في نفسه و اهله و ماله من طرف الشيطان ووصف ذلك الأذى بأنه نصب و عذاب ، مما يدل على أن هذا الشيطان قد آذاه أذية كبيرة فيها ضرر عظيم على بدنه ثم على نفسه بالتبعية . فأذا كان الشيطان و هو المسخر في الأسحار قد تمكن من أذية نبي الله أيوب عليه السلام فما المانع من أن يتأذى نبي الله محمد من نفس الشيطان و بنفس الشكل .
نبي الله آدم يغويه الشيطان و يستزله : إن أعظم أذية يمكن أن يؤذي بها الشيطان بني آدم هي أن يضلهم أو يجرهم إلى معصية ، و إن أبعد الناس عن العصيان أنبياء الله تعالى و رسله ، و مع عصمتهم من الضلال إلا أن القرآن شهد بأن الشيطان قد يتمكن من إغواء نبي من الأنبياء في أمر ما ، و هذا لا يخرجه من دائرة النبوة و لا يحكم عليه بالطغيان أو الضلال كسيدنا آدم عليه الصلاة و السلام .
فنبي الله آدم عصى ربه سبحانه و تعالى فأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها بسبب إغواء الشيطان له و هذا أعظم ابتلاء قد يقع فيه نبي . قال تعالى : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. ) .
فكيف تسلط إبليس على نبي الله آدم و هو نبي معصوم كما لا يخفى على أحد من المسلمين ؟ أم أن إغواء الشيطان له لا يعد أذية في حقه عليه الصلاة و السلام ؟ أم أن هناك فرقا بين نبي الله محمد و بين نبي الله آدم عند الأستاذ محمد بن الأزرق الأنجري في هذه المسألة ؟
إن الله تبارك و تعالى قد بين في قصة آدم مع إبليس أن إبليس قد وسوس لآدم ، و الوسواس كالسحر تماما ، بل قد يكون أحيانا أشد منه قوة ، و قد يكون الوسواس من أهداف السحر و أغراضه ، فقال سبحانه و تعالى : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) . ثم إن آدم عليه السلام قد انخدع بوعود إبليس الكاذبة و صدقه في ما قال ظنا منه أنه لا يكذب ، فقال جل في علاه عنهما : ( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ) . أفليست هذه من أنواع تسلط الشيطان على الإنسان ؟ أليس آدم نبيا مكلما و معلما ؟ بلى ، و لكن نبوته لا تعني أنه لا يتأثر بأذى شياطين الجن و الإنس كما بين الله تعالى في ما بيته آنفا .
3 ) الرد على شبهة في قوله تعالى ( و الله يعصمك من الناس )
إن من الأدلة التي يستدل بها القائلون بكذب قصة سحر النبي عليه الصلاة و السلام قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) . فيقولون بأن الله تعالى وعد نبيه الكريم بأن يعصمه من أذى البشر فكيف يسمح الله بسحره عليه الصلاة و السلام وقد وعده بالعصمة المطلقة ؟ فنقول - و بالله التوفيق - أن هذه الآية الكريمة لا تدل إطلاقا على العصمة من السحر و لا من غيره بل تعني العصمة من القتل و هتك العرض و ما يناسب ذلك من الأذى . و الدليل هو تعرض النبي عليه الصلاة و السلام للسب و الشتم و التهجير و الضرب و المبارزة و غير ذلك من الأذى المعنوي و المادي ، فلماذا لم يعصمه الله تعالى من السب و الشتم مثلا . قال تعالى : ( كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) فالله سبحانه و تعالى وعده بالعصمة دون تحديد نوع العصمة ثم أقر في القرآن أنه صلى الله عليه و سلم يتأذى بكلام الكفار و المنافقين ، فلماذا لم يعصمه هنا من أذى الناس ؟ الجواب : لأنه لم يقصد سبحانه و تعالى العصمة المطلقة من كل أنواع الأذى . بل قصد الأذى الذي سيمنعه من التبليغ . بل و إن كثيرا من الأنبياء قد قتلهم قومهم و لم يكن ذلك منافيا للعصمة الإلاهية لهم كما قال تعالى في كتابه العزيز عن يهود بني إسرائيل : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ ) ، فهاهم الأنبياء المعصومون من الناس يقتلون و يذبحون ، فلماذا لم يعصمهم الله من الناس ؟ لأنه سبحانه و تعالى لم يعصمهم من الأذى . و في قصة انكسار رباعيته الشريفة عليه الصلاة و السلام في معركة أحد خير دليل على أنه صلى الله عليه و سلم ليس معصوما من الأذى ، فكما آذاه الكفار في بدنه بالضرب فإنه من الممكن أن يؤذوه في نفسه .
فإن قال قائل بأن هذه الأذية ليست هي السحر و الله عصمه من السحر و لم يعصمه من السب و الشتم و الضرب ، قلت فلماذا استثنيت السحر عن باقي أنواع الأذى ؟ هل قالها الله تعالى في هذه الآية الكريمة ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ؟ بل الواضح أن الآية عامة تتكلم عن عصمة ما ، فإما أنها تتحدث عن العصمة المطلقة من كل الأذى حتى من السب و الضرب و السحر و هذا مخالف لنصوص القرآن الكريم التي تبين أن النبي عليه الصلاة و السلام يتعرض للأذى كغيره من البشر . و إما أنها تتحدث عن عصمة دمه الشريف من السفح أو عرض زوجاته الطاهرات من الهتك أو عقله الشريف من الجنون أو ما شابه ذلك من عظائم الأمور التي من شأنها توقيف رسالته العظيمة من الوصول للبشر .
4 ) تفسير قوله تعالى ( و الله يعصمك من الناس )
و لكي يتضح للقراء الكرام أن هذه الآية حقا تتحدث عن عصمة دمه صلى الله عليه و سلم و لا تعني العصمة من التأثر بالسحر فإنني سأنقل لكم بعض تفاسير المفسرين لهذه الآية ألكريمة .
تفسير ابن كثير لهذه الآية العظيمة :
( وقوله : ( والله يعصمك من الناس ) أي : بلغ أنت رسالتي ، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم ، فلا تخف ولا تحزن ، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يحرس كما قال الإمام أحمد :
حدثنا يزيد ، حدثنا يحيى قال سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث : أن عائشة كانت تحدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة ، وهي إلى جنبه ، قالت : فقلت : ما شأنك يا رسول الله؟ قال : " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة؟ " قالت : فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال : " من هذا؟ " فقال : أنا سعد بن مالك . فقال : " ما جاء بك؟ " قال : جئت لأحرسك يا رسول الله . قالت : فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه . أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به .
وفي لفظ : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مقدمه المدينة . يعني : على أثر هجرته [ إليها ] بعد دخوله بعائشة رضي الله عنها ، وكان ذلك في سنة ثنتين منها . )
و من تفسير القرطبي :
قوله تعالى : والله يعصمك من الناس فيه دليل على نبوته ; لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم ، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به ، وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : من يمنعك مني ؟ فقال : الله ; فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده ; وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ; ذكره المهدوي ، وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : وقد رويت هذه القصة في الصحيح ، وأن غورث بن الحارث صاحب القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه ; فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس ، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم مستوفى ، وفي " النساء " أيضا في ذكر صلاة الخوف ، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها ، قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي : من يمنعك مني - قال - قلت : الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني - قال - قلت : الله قال فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل : والله يعصمك من الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يحرسني .
فمدار تفاسير هذه الآية الكريمة حول عصمته عليه الصلاة و السلام من القتل و الله تعالى أعلم بمراده ، فمن أين جاء أخي محمد بن الأزرق الأنجري و من يقول بقوله بتخصيص السحر دون غيره من أنواع الأذى ؟ هذا هو القول على الله بغير علم .
5 ) ليس كل سحر يؤثر على العقل :
إن منكري قصة سحر النبي عليه الصلاة و السلام يقولون بأن السحر لابد بأن يؤثر على عقل المسحور و هذا خطأ عجيب ، فمن ذا الذي قال بأن كل سحر من الأسحار يذهب العقول أو يصيب الناس بالجنون ؟ بل إن المعلوم بأن مختلف أنواع السحر لا تصيب الناس في عقولهم . و معظم علماء الإسلام الذين يقولون بصحة قصة سر الرسول عليه الصلاة و السلام لا يقولون أن السحر قد أثر على عقله أو خلط له بين الحق و الباطل كما يصور لنا الأستاذ محمد الأزرق الأنجري - هداه الله - و من هم على شاكلته .
و من بين هؤلاء العلماء :
القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم (2/113) :« و أما ما و رد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء و لا يفعله ، فليس في هذا ما يُدْخِلُ عليه داخلةً في شيء من تبليغه أو شريعته ، أو يقدح في صدقه ، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ، و إنما هذا فيما يجوز طروُّة عليه في أمر دنياه ، التي لم يُبعث بسببها و لا فُضل من أجلها ، و هو فيها للآفات كسائر البشر ، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ، ثم ينجلي عنه كما كان ، .... و لم يأت في خبرٍ أنه نُقل عنه في ذلك قولٌ بخلاف ما كان أخبر أنه فعله و لم يفعله ، و إنما كانت خواطر و تخيلات »
قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/192) و في زاد المعاد (4/124) :« السحر الذي أصابه صلى الله عليه وسلم كان مرضاً من الأمراض عارضاً شفاه الله منه ، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما ؛ فإن المرض يجوز على الأنبياء ، وكذلك الإغماء ؛ فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه ، ووقع حين انفكت قدمه ، وجُحِشَ شِقُّهُ ، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ، ونيل كرامته ، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به ، من القتل والضرب والشتم والحبس ، فليس بِبدْعٍ أن يُبتلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر ، كما ابتلي بالذي رماه فشجه ، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا وهو ساجد ، وغير ذلك ، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك ؛ بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله »
فأقول لأخي - محمدا بن الأزرق الأنجري - إن الظالمين حين قالوا ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) لم يقصدوا السحر الذي فعله له لبيد بن الأعصم ليؤذيه ، بل كان قصدهم أن محمدا عليه الصلاة و السلام مسحور أي أن من سحره يؤثر على عقله و يتحكم فيه و يأمره بشكل غير مباشر بالكذب على الناس بأنه نبي و رسول و الله أعلى و أعلم .
و سيكون لي رد آخر حول صحة قصة سحر النبي عليه الصلاة و السلام من حيث السند إن شاء الله تعالى و بالله التوفيق
17 - سحر الرسول ليس خرافة يهودية ولا كذبة متفقا عليها ( فؤاد الشمالي ) Reviewed by أخبار مشاهير الفن العربي on أكتوبر 11, 2015 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

تواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.